ابن عجيبة
270
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والأمر كذلك عند التحقيق ؛ فإنّ اختيار العبد مخلوق للّه ، منوط بدواع لا اختيار لهم فيها ، وقيل : المراد أنه ليس لأحد أن يختار عليه ، فلذلك خلا عن العاطف ، يعنى قوله : ما كانَ . . إلخ ، ويؤيده : ما روى أنه نزل في قولهم : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ « 1 » ه . ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ أي : ليس لهم أن يختاروا مع اللّه شيئا ما ، وله الخيرة عليهم . والخيرة : من التخير ، تستعمل مصدرا بمعنى التخير ، وبمعنى المتخيّر ، ومنه : محمد خيرة اللّه من خلقه ، ولم يدخل العاطف في ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ؛ لأنه مقرر لما قبله ، وقيل : « ما » : موصولة ، مفعول بيختار ، والراجع إليه : محذوف ، أي : ويختار الذي كان لهم منه الخيرة والصلاح . ه . وبحث فيه النسفي بأن فيه ميلا إلى الاعتزال ، ويجاب : بأن المعتزلة يقولون ذلك على سبيل الإيجاب ، ونحن نقوله على سبيل التفضل والإحسان . سُبْحانَ اللَّهِ ، أي : تنزيها له عن أن ينازعه أحد ، أو يزاحم اختياره اختيار . وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ، أي : تعاظم عن إشراكهم ، أو : عن مشاركة ما يشركون به . وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ : تضمر صُدُورُهُمْ من عداوة الرسول - عليه الصلاة والسلام - وحسده ، وَما يُعْلِنُونَ من مطاعنهم فيه ، وقولهم : هلّا اختير عليه غيره في النبوة . وَهُوَ اللَّهُ المستأثر بالألوهية المختص بها ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، تقرير له ، كقولك : الكعبة قبلة ، لا قبلة إلا هي . لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى أي : في الدنيا ، وَالْآخِرَةِ ؛ لأنه المولى للنعم كلها ، عاجلها وآجلها ، يحمده المؤمنون في الدنيا ، ويحمدونه في الآخرة بقولهم : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ « 2 » ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ « 3 » ، وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ « 4 » ، والتحميد تم على وجه التلذذ لا الكلفة . وَلَهُ الْحُكْمُ ؛ القضاء بين عباده ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بالبعث والنشور . وباللّه التوفيق . الإشارة : في الآية تحضيض على ترك التدبير والاختيار ، مع تدبير الواحد القهار ، وهو أصل كبير عند أهل التصوف ، أفرد بالتأليف ، وفي الحكم : « أرح نفسك من التدبير ، فما قام به غيرك عنك ؛ لا تقم به أنت عن نفسك » . وقال سهل رضي اللّه عنه : ذروا التدبير والاختيار ، فإنهما يكدران على الناس عيشهم . وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه : ذروا التدبير ، وإن كان ولا بد من التدبير ، فدبروا ألا تدبروا . ه . والتدبير المذموم : هو ما فيه للنفس حظ ، كتدبير أسباب الدنيا ، وما تحصل بها من شهواتها ، إذا صحبه عزم أو تكرير ، وأمّا ما كان فيما يقرب إلى اللّه تعالى فهو النية الصالحة ، أو لم يصحبه تصميم ؛ بأن كان عزمه محلولا ،
--> ( 1 ) الآية 31 من سورة الزخرف ، وانظر تفسير البغوي ( 6 / 218 ) ( 2 ) من الآية 34 من سورة فاطر . ( 3 ) من الآية 74 من سورة الزمر . ( 4 ) الآية 75 من سورة الزمر .